محمد بن عبد الله الصفار

89

رحلة الصفار إلى فرنسا

من شأنه أن يبارك خطواته ، إذ وضع مشروعه في سياق تيار له تقاليد عريقة وموغلة في الزمن . وبالرغم من افتقار الصفار إلى معرفة سابقة ومباشرة بالبلاد الفرنسية ، فمن الأكيد جدا أن يكون قد تمكن مسبقا من تكوين أفكار وتصور تصورات تتعلق بأوربا ، معتمدا في ذلك على غيره من الذين حلوا قبله بربوعها . وهذا فضلا عن معرفته الشخصية بخصائص النظام الاجتماعي بوجه عام . ولم يقتصر تكوينه على تزويده فقط بالنمط الأدبي للرحلة ، بل مكنه أيضا من اكتساب مفاهيم تتعلق بالطريقة التي تتكون بموجبها البنيات المجتمعية . وفي هذا المجال ، كان مصدره الأساسي هو كتابات ابن خلدون ، المؤرخ والفيلسوف والمنظر الاجتماعي المغاربي ، الذي عاش خلال القرن الرابع عشر الميلادي . وكانت المقدمة أهم وأغنى المصادر على الإطلاق التي استقى منها الصفار أفكاره ، سواء في مواضيع الجغرافيا والمجتمع ، أم حول طبيعة السلطة السياسية بكل مكوناتها « 1 » . وانصب اهتمام ابن خلدون على ظاهرة العمران وعلى الكيفية التي يعبر بها عن ذاتيته داخل المجتمع . وعنده أن أفضل طريقة يمكن لبني البشر سلوكها لضمان عيش سليم هي أن يعيشوا متكتلين ضمن مجموعات . وأن بقاء المجموعة وازدهارها يظل مرتبطا بدرجة التعاون والتآزر الموجودين بين العناصر المكونة لها . وحينما قال الصفار إن فرنسا مركز للحضارة ، كان يرى أمامه تجسيدا لأفكار ابن خلدون ، لما شاهد عددا

--> ( 1 ) كل الإحالات الواردة في هذا الكتاب على المقدمة مأخوذة عن النسخة الإنجليزية التي وضعها روزنتال : F . Rosenthal , the Muqaddimah : An Introduction to History , 3 vols . ( Princeton , 1967 ) . ويحتوي الجزء الجزء الأول منها على ترجمة لابن خلدون . بينما نجد تلخيصا مركزا لنظرية ابن خلدون في الدولة ضمن الفصل الرابع من كتاب روزنتال الذي يحمل العنوان التالي : E . I . J . Rosenthal , Political Thought in Medieval Islam ( Cambridge , 1968 ) . وللاطلاع على وجهة نظر مغربية في الموضوع ، يمكن الرجوع إلى كتاب علي أومليل : Ali Oumlil , L'histoire et son discours ( Rabat , 1982 ) . ( المعرب ) : وعند تعريبنا أو تعاملنا مع الفقرات المتعلقة بابن خلدون اعتمدنا على الطبعة العربية الصادرة في بيروت سنة 1978 .